مؤسس جامعة الخليل

ولد محمد علي أحمد درويش الجعبري عام 1900 م في مدينة الخليل و تعود جذور عائلة " الجعبري " إلى قبيلة ربيعة العدنانية ، و هي قبيلة عربية من نسل كعب بن ربيعة ، كانت تستوطن ديار ربيعة في منطقة الجزيرة على الفرات ، أما بداية اسقرارها في الجزيرة الفراتية ، فكانت في مطلع القرن الخامس الهجري . و قد تمكن زعيمها "سابق الدين جعبر بن مالك القشيري " من الاستيلاء على قلعة كانت تسمى دوسر أو الدوسرية نسبة إلى بانيها

يتصل آل الجعبري في الخليل بنسل الشيخ برهان الدين أبي محمد أو أبي إسحق إبراهيم بن عمر الجعبري ، و هو أحد علماء قلعة جعبر و كان يعرف بالجعبري نسبة إلى مسقط رأسه قلعة جعبر و بالخليلي نسبة إلى مدينة الخليل التي استقر بها ، و من عقبه تشكلت عائلة الجعبري . و قد كني بأبي إسحق جريا على عادة الناس فيمن اسمه إبراهيم ، و بأبي محمد نسبة إلى والده " محمد " شيخ الخليل من بعده . و قد لقب ب "برهان الدين : و هو في الغالب عليه و به اشتهر . و لقب في بغداد ب " تقي الدين "
نشأ محمد علي الجعبري في كنف والديه ، و كان ذا حظوة لديهما ، فترعرع معززا مكرما . و انتظم في سلك الدراسة بالمدرسة الابتدائية في الخليل . و أرسله والده مع إلى مصر شقيقه درويش الجعبري بعد إنهائه المرحلة الابتدائية ، فتوجها مع قافلة من التجار كانت متوجهة من الخليل إلى يافا ، فبور سعيد في القاهرة . كان أخيه درويش يعتبر من علماء الخليل و هو من خريجي الأزهر ، فأثر أثرا بالغا في أخيه الأصغر محمد علي ، فأقام معه في القاهرة طيلة فترة الدراسة . و قام بدور مهم في تقديمه و تعريفه بعلماء و شيوخ الزهر

أنهى محمد علي المرحلة الإعدادية ، و حفظ خلالها ربع القران الكريم غيبا ، و هو متطلب إجباري لاجتياز المرحلة الإعدادية ، ثم خضع لامتحان ليلتحق بالأزهر الشريف – القسم النظامي – فنجح في ذلك الامتحان ، و حاز على الشهادة المتخصصة في الوعظ و الإرشاد سنة 1922 م .
عهد للشيخ الجعبري بتولي رئاسة البلدية بتاريخ 28 تشرين أول 1940 م ، و بتاريخ 26 شباط 1942 م ، أعيد تشكيل المجلس بعد استقالة الدكتور أحمد عبد العال ، و قبول عضوية كل من : راشد عرفة ، و عمران طهبوب ، و استمر المجلس الجديد في عمله برئاسة الشيخ الجعبري حتى 25 نيسان 1948 م .

لم يكن صعود الشيخ الجعبري و وصوله إلى رئاسة بلدية الخليل بمحض الصدفة ، فقد برز كعين من أعيان الخليل و وجهائها ؛ لكونه من رجال الدين المتصفين بالعلم و الحكمة ، و نتيجة للأعمال العامة التي قام بها . و بمجرد تخرجه من الأزهر الشريف و عودته إلى الخليل ، سارع الشيخ الجعبري إلى الانخراط في العمل العام ، ففي عام 1925 م ، تقدم بطلب إلى قائم مقام الخليل لإنشاء " جمعية علماء الخليل " مع كل من : الشيخ عبد الرحمن بدر ، و الشيخ يعقوب شاور . و كانت فكرة الشيخ الجعبري بإنشاء جمعية علماء على مستولى الخليل أو فلسطين . هي فكره رائدة في هذا المجال . فبعد عشرة سنوات من ذلك التاريخ أي في عام 1935 م ، دعا الحاج أمين الحسيني إلى عقد المؤتمر الأول لعلماء فلسطين .

انتسب الشيخ الجعبري إلى معهد الحقوق في القدس ليتخرج محاميا . و قد سمح له بممارسة المحاماة أمام محاكم فلسطين . و أنشا مكتبا له في الخليل ، مارس فيه المحاماة الشرعية ، كما عمل مأذونا شرعيا في الخليل في الفترة الممتدة ما بين (1926 – 1941 )و في تلك الأثناء أيضا عمل مدرسا و واعظا في الحرم الإبراهيمي ، و استمر في هذا العمل حتى عام 1937 م ، عندما وافق المجلس الإسلامي الأعلى على تعيينه واعظا لمدينة الخليل و قضائها مكان الشيخ صبري عابدين.

و على صعيد آخر أوكلت للشيخ الجعبري مهمة الإشراف على حفلات الاستقبال و الوداع لكبار ضيوف الخليل . فعند زيارة الأمير سعود بن عبد العزيز إلى الخليل في شهر آب 1935 م ، ترأس الشيخ الجعبري لجنة الاستقبال التي مت كلا من : - عبد الله كردوس قائم مقام الخليل ، و ناصر الدين ناصر الدين رئيس البلدية ،والشيخ عبد الله طهبوب مفتي المدينة ، و عددا من أعيانها و وجهائها . و بعد ان زار الأمير سعود الحرم الإبراهيمي ألقى الشيخ الجعبري الكلمة الترحيبية بالضيف . و ترأس الشيخ الجعبري وفد الخليل الذي ذهب إلى عمان لتهنئة الأمير عبد الله بمناسبة العيد عام 1937 م ، و كانت هذه الزيارة هي الثانية ،غذ زارها خلال الثورة الفلسطينية عام 1936 م ، على رأس وفد من الخليل ، طالبا النجدة و المساعدة من المير عبد الله لدعم الثورة .

و من جهة أخرى كان الشيخ الجعبري من أوائل الذين تصدوا لقوات البوليس البريطاني بعد تعديها على أملاك و مزروعات المواطنين في الخليل ، من أوائل المعتقلين في ثورة عام 1936 م ، و قد أرسلت مدينة الخليل ممثلة ببلديتها و وجهائها رسالة تأييد و دعم للشيخ الجعبري في المعتقل .
يمكننا أن نؤرخ لانطلاق مسيرة الشيخ الجعبري في العمل السياسي مع مطلع عام 1928 م ، إذ ترأس جمعية الشبان المسلمين في الخليل . ففي ذلك العام شهدت فلسطين موجة تأسيس المراكز و الفروع لجمعيات الشبان المسلمين متأثرة بمصر المقر الأول لجمعية الشبان المسلمين ، سعيا ممن أسسها إلى تجذير و تأكيد عالمية هذه الحركة. ففي عام 1928 م تشكلت جمعية الشبان المسلمين في الخليل و حصلت على الموافقة الأولية من قائم مقام الخليل ، و ترأس الشيخ الجعبري تلك الجمعية نظرا لتوجهه الإسلامي و لكونه ممن درسوا في الأزهر الشريف ، كما كان من أعضاء المؤتمر الإسلامي للدفاع عن المسجد الأقصى و الأماكن الإسلامية ،و تم اختيار الممثلين و المندوبين في جمعية الشبان المسلمين في الخليل عن طريق الانتخاب .
بدأ نشاط الشيخ الجعبري في الجمعيات الإسلامية المسيحية عام 1924 م، حينما كان عضوا في الهيئة الإدارية في الجمعية الإسلامية المسيحية في الخليل و كانت برئاسة الشيخ طالب مرقة و عضوية كل من : - محمود سلطان ، و ياسين أبو الفيلات ، و الشيخ يعقوب شاور ، و الحاج عبد المعطي الخطيب ، و الحاج سليم حجازي ، والحاج عبد العظيم الخطيب ، و أحمد يونس ذرافو ، و حميدان كاتبه بدر ، و الحاج إبراهيم أبو خلف ، و الشيخ امين الحموري ، و أحمد بيوض التميمي ، و و ظاهر دعنا و استمرت تلك الجمعية في عملها حتى أواخر عام 1931 م .

لقد اعتبر أعضاء هذه الجمعيات أوائل القوميين العرب المنظمين في فلسطين ، و ارتبطت حركتهم بالقيادة العربية في دمشق بهدف تحقيق سوريا مستقلة و موحدة ، تضم كلا من : - سوريا ، و لبنان ، و فلسطين ، و الأردن .
بالنسبة للشيخ الجعبري شهد عام 1928 م نشاطا مكثفا له ، ففي تلك السنة ترأس جمعية الشبان المسلمين في الخليل ، و شارك المؤتمر الإسلامي للدفاع عن المسجد الأقصى و الأماكن الإسلامية المقدسة ، كما كان ضمن وفد الخليل المشارك في المؤتمر العربي الفلسطيني السابع الذي انعقد في القدس من 20 -27 حزيران 1928 م .
أنتخب الشيخ الجعبري عضوا في اللجنة التنفيذية لمؤتمر الشبان ، و التي بدورها أنتخب مكتب اللجنة التنفيذية و الذي تكون من : - راسم الخالدي رئيسا ، و عيسى ألبندك نائب رئيس ، و حمدي النابلسي أمينا للمال ، و يوسف عبده ، و سعدي الشوا لأمانة السر ، و فؤاد سابا محاسبا
شارك الشيخ الجعبري في المؤتمر بصفته عالما من علماء فلسطين أيضا شارك الشيخ الجعبري في مؤتمرات رؤساء البلديات العرب في فلسطين – (يافا 13/ 7/1941 ) – (يافا 5/5/1944 ) – ( نابلس – 17/6/1944 ) – ( غزة 22/2/1945 )و المؤتمر الأول لرؤساء البلديات العرب في لواء القدس ( الخليل 11/9/1946 ) و مؤتمر رؤساء البلديات العرب في فلسطين ( الخليل 3/4/1947 ) و مؤتمر رؤساء البلديات العرب في فلسطين ( رام الله 14/6/1947 ).
مع نهاية عام 1977 م أصيب الشيخ الجعبري بجلطة دماغية أقعدته عن الحركة و ألزمته الفراش حتى وفاته في 29 أيار 1980 م و شارك في تشيع جثمانه عشرات الآلاف من الشعب الفلسطيني في الخليل و الضفة و قطاع غزة و الأردن و فلسطيني عام 1948 م .